
حين تكتشف “الدويلة الوظيفية” أن حبال النجاة تُقطع من حولها واحدة تلو الأخرى، ندرك أن ما يجري في الإقليم ليس مجرد خلافات تكتيكية بين حلفاء سابقين، ولا تنافسًا اقتصاديًا عابرًا بين عاصمتين خليجيتين، بل تحول بنيوي عميق في شكل الصراع الإقليمي، عنوانه الأكبر: عودة الدولة المركزية في مواجهة مشروع التفكيك الوظيفي.
على مدى أكثر من عقد، بنت الإمارات نموذج نفوذ غير تقليدي؛ نموذج لا يعتمد على الجيوش النظامية ولا التحالفات الرسمية، بل على شبكة معقدة من: وكلاء، مليشيات، كيانات انفصالية، شركات أمنية وموانئ مؤجرة.
نموذج يعمل تحت الرادار، يحقق مكاسب سريعة لكنه ينهار فور عودة الدولة.
أولًا: اليمن… نقطة الانكسار
ما جرى في حضرموت والمهرة لم يكن حادثًا معزولًا، بل نقطة كسر استراتيجية. للمرة الأولى، قررت الرياض أن تقول علنًا: هذا النفوذ يهدد أمننا القومي.
الضربة السعودية لشحنة السلاح الإماراتية، ثم الانسحاب الإماراتي السريع، لم يكونا مجرد تصعيد عسكري، بل إعلان نهاية مرحلة السماح لحليف أصغر بأن يبني دولة داخل الدولة، وجيشًا داخل الجيش، وموانئ خارج السيادة.
يكشف اليمن التناقض الجوهري:
•السعودية: دولة موحدة، حدود مستقرة، عمق أمني واضح.
•الإمارات: جغرافيا مجزأة، موانئ مستقلة، قوى محلية بلا مركز، تهدف لتطويق السعودية.
هنا تحول الشرخ إلى قطيعة وظيفية لا يمكن ترميمها بالمسكنات.
ثانيًا: السودان… الفضيحة التي خرجت إلى العلن
في السودان، سقط القناع بالكامل. الدعم الإماراتي لمليشيا دقلو أصبح حقيقة موثقة بالتقارير الدولية: طائرات، مرتزقة، مسارات تهريب، ذهب، وقواعد لوجستية في تشاد، ليبيا، الصومال وإثيوبيا.
الأخطر: استخدام مليشيا متهمة بجرائم إبادة كأداة نفوذ إقليمي.
في المقابل، اختارت السعودية بوضوح معسكر الدولة: الدولة، الجيش الوطني، المؤسسات، وحدة التراب. وهنا تحول الخلاف من اختلاف مقاربات إلى صدام أخلاقي وسيادي.
ثالثًا: البحر الأحمر والقرن الإفريقي… معركة الموانئ لا الشعارات
من عدن إلى بربرة، ومن بوصاصو إلى ميناء السودان، يتكرر النمط نفسه:
موانئ → قواعد مليشيات → انفصال → نفوذ سياسي.
لكن الجديد هو كسر الطوق:
•الصومال ألغت اتفاقيات الدفاع مع الإمارات ووقعت مع قطر.
•مسارات الطيران تغيّرت.
•المجال الجوي تحوّل إلى أداة سيادية.
•النفوذ لم يعد مجانيًا.
والأهم: تنسيق سعودي–مصري–تركي–باكستاني يتشكل بهدوء، بلا استعراض شعارات.
رابعًا: التحالفات الجديدة… الدولة تعود من بوابة الدفاع
اتفاقية الدفاع المشترك بين السعودية وباكستان ليست تفصيلًا، بل رسالة ردع مركبة: عمق نووي غير معلن، شراكات صناعية، مناورة استراتيجية خارج الهيمنة الأمريكية المباشرة.
مع اقتراب تركيا وصمت مصر المدروس، يتشكل ناتو إقليمي غير مُعلن، قائم على:
•الدفاع الجوي
•الصناعات العسكرية
•الذكاء الاصطناعي
•أمن البحر الأحمر
في المقابل، هرعت الإمارات شرقًا، إلى الهند، من موقع البحث عن مظلة، وليس من موقع قوة.
زيارة محمد بن زايد إلى نيودلهي لم تكن تحالفًا استراتيجيًا، بل صرخة استغاثة:
•3 مليارات دولار غاز → صفقة تجارية لا استراتيجية
•مذكرة نوايا دفاعية → ليست اتفاقية دفاع مشترك
•استثمارات في غوجارات → هروب من الصراع
المفارقة أن الهند نفسها أوضحت: “تعاوننا الدفاعي لا يعني انخراطنا في نزاعات المنطقة”— فيكرام ميسري
خامسًا: المعادن النادرة… المعركة القادمة
تقرير “المونيتور” اليوم ليس اقتصاديًا فقط. المعادن النادرة = طائرات، صواريخ، ذكاء اصطناعي، طاقة نظيفة، تفوق عسكري.
السعودية تلعب هنا لعبة الكبار: لا تصطف، لا ترتهن، وتفتح أبوابها لواشنطن وبكين معًا.
هذا لا يناسب نموذج الدولة الوظيفية، التي تعيش على: الوساطة، الخدمات، والعمل بالوكالة.
النتيجة: عندما تتحول “الدويلة الوظيفية” إلى عبء
•واشنطن بوست تكشف تحولًا تاريخيًا: السعودية تتهم الإمارات علنًا بدعم المليشيات الانفصالية.
•الرياض تشكل محور الردع العربي الحقيقي مع مصر وباكستان وتركيا.
•أبوظبي تُحاصر استراتيجيًا:
•شمالًا: السعودية ومصر
•جنوبًا: يمن موحد
•غربًا: صومال مائل للرياض
•شرقًا: باكستان المتحالفة مع السعودية
دولة بنت نفوذها على تفكيك الآخرين، تكتشف أنها الأكثر عرضة للتفكيك.
⸻
الخلاصة: لماذا يُضرب المشروع الإماراتي الآن؟
البيئة تغيّرت:
•الدول المنهكة تستعيد توازنها.
•المليشيات تحولت من أصل إلى عبء.
•التفكيك لم يعد طريقًا للسيطرة بل للفوضى.
•الشرعية عادت عملة نادرة عالية القيمة.
الإمارات لم تُهزم عسكريًا، بل انكشف نموذجها.
التوقعات: ثلاثة سيناريوهات محتملة
1️⃣ الأسوأ لأبوظبي: عزلة إقليمية متصاعدة، فقدان النفوذ في اليمن والسودان والصومال، التحول إلى دولة تجارية بلا تأثير سياسي.
2️⃣ الأفضل: مراجعة استراتيجية شاملة، الانضمام إلى التحالف السعودي–المصري–التركي–الباكستاني، التحول من دولة وظيفية إلى دولة شريكة.
3️⃣ الكارثي للجميع: تصعيد غير محسوب، صدام مفتوح مع الرياض، تفكيك الخليج، وتحقيق الحلم الإسرائيلي.
⸻
الرسالة الأخيرة:
الدول التي تبني نفوذها على تفكيك جيرانها، تنسى حقيقة بسيطة:
“ما يُبنى على الفوضى… لا يبقى إلا حتى تنتهي الفوضى.”
اليوم، الفوضى تنتهي، والدول الحقيقية تستيقظ.
أما الدول الوظيفية، فإما أن تتغير… أو تختفي.
الشرق الأوسط دخل 2026 بسؤال واحد: من يبني دولًا، ومن يراكم أنقاضًا؟ والإجابة باتت أوضح من أي وقت مضى.
السؤال المُلحّ: ماذا ستفعل “الدويلة الوظيفية” عندما تكتشف أن حبال النجاة التي أمسكت بها… كانت موصولة بسقف من ورق؟
الكاتب والمحلل السياسي: مكاوي الملك | Makkawi Elmalik
makkawi.sd@gmail.com
Almanassa press